إخوان الصفاء
59
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في ماهية الألم واللذة وكيفيتهما فنقول : ان اللذات والآلام التي تحفظ أجسادها من التلف ، وتحثّها على صيانتها نوعان : جسماني وروحاني . فاللذات الجسمانية هي التي تجدها النفس عند الخروج من الألم ، والآلام التي تحسّها النفس عند خروج مزاج الأجساد عن الاعتدال الطبيعي إلى حد الطّرفين من الزيادة والنّقصان بسبب من الأسباب هي كثيرة لا يحصى عددها ، مثال ذلك الجوع أحد الآلام تحسّ به النفس عند خلو المعدة من الطعام ، وذلك أن الحرارة الغريزية التي تنضج الطعام في المعدة إذا لم تجد هناك طعاما تكون مشتغلة ، فإذا اشتغلت في جرم المعدة فنيت رطوباتها المعدّة هناك لمصالحها ، فإذا فنيت تلك الرطوبات انفسد جرم المعدة ، فإذا أحسّت النفس بالآلام ، انتهض الجسد في طلب القوت ليزيل عنه الفساد وعن ذاتها الألم ، فإذا وصل ذلك إلى المعدة رجعت تلك النار عن جرم الجسد ، واشتغلت عن ذلك الطعام ، وسكن الالتهاب عن جرم المعدة ، فتجد النفس لذلك راحة ، فتسمّى تلك الراحة لذّة . وهكذا العطش فإنه حرارة تلتهب في جرم الكبد ، ولا تسكن إلّا بشرب الماء . فتحسّ النفس عند التهاب تلك الحرارة ألما ، وعند سكونها راحة ، فهاتان الخلّتان تحثّان النفس الحيوانية على طلب مادّة أجسادها ، لتخلف عليها بدل ما يتحلل منها إذ كانت ذات الجسد دائما في الذوبان والسّيلان من أسباب خارجة وأسباب داخلة ، ولو لم تعرض لنفوسها الآلام والأوجاع عند الجوع والعطش ، لما نهضت أجسادها في طلب غذائها وفي مادة بقائها ، وكان يبطل أجسادها الذوبان قبل تمامها وكمالها . فإذا قد بان من الألم واللذّة أنما هي حثّ النفوس على ما يصلح الأجساد ، لأن في صلاح الأجساد صلاح النفوس ، كما بيّنّا قبل . وهذه اللذة التي تجدها النفوس الحيوانية عند تناول الغذاء هي أيضا تجدها النفوس النباتية ، وهي التي تحثّها على جذب الرطوبات